( الآمال الكبيرة )
تشارلز ديكنز
الفصل الأول
السجين الهارب
والدي من عائلة فيليب , واسمي أنا فيليب , فلم يستطع لساني الصغير أن ينطق من الاسمين أكثر من بيب . وهكذا دعوت نفسي بيب , وأصبح الجميع يناديني بيب . وبما أنني فقدت والدي منذ طفولتي , فقد نشأت إلى جانب شقيقتي السيدة جو غارجري التي تزوجت من الحداد .
كانت بلدتنا مليئة بالمستنقعات إلى جانب النهر على بعد عشرين ميلاً من البجر . وتعود ذاكرتي الأولى إلى بعد ظهر يوم بارد رطب يزحف نحو السماء . في ذلك الوقت , وجدت بلا ريب أن المكان المكسو بالأعشاب الغليظة , هو فناء الكنيسة , وأن والدي ووالدتي وإخوتي الخمسة دفنوا هناك , وأن البرية الممتدة ما وراء الفناء هي المستنقعات , والخط المنخفض الكئيب هو النهر ؛ والمنطقة النائية حيث تنطلق الرياح هي البحر , وأن الفتى الصغير الذي راح يخشى كل ذلك وبدأ بالبكاء هو بيب .
صاح صوت رهيب : " توقف عن الضجيج . " وظهر رجل من بين القبور . " اهدأ أيها الشيطان الصغير وإلا قطعت حنجرتك . "
كان رجلاً مخيفاً , يرتدي ثياباً رمادية قاتمة وتحيط بساقه أغلال ضخمة . كان بدون قبعة , ينتحل حذاءً بالياً , وقد ربط رأسه بخرقة قماش رثة راح يعرج ويرتعش ويصطك أسنانه في فمه , فيما أمسك بذقني ... رجوته خائفاً : " لا تقطع حنجرتي سيدي , أرجوك , لا تفعل ذلك سيدي . "
فقال الرجل : " قل لنا ما اسمك , بسرعة . "
" بيب , سيدي . "
فقال الرجل وهو يحدق بي : " مرة ثانية , تكلم . "
" بيب , بيب سيدي . "
قال : " أين تسكن ؟ هيا أشر إلى حيث تسكن . "
فأشرت إلى حيث تقع قريتنا , على بعد ميل أو أكثر من الكنيسة .
وبعدما حدق بي الرجل لدقيقة , قلبني رأساً على عقب وأفرغ جيوبي . لم يكن بداخلها شيء سوى كسرة من الخبز . تناولها وراح يلتهمها بشراهة . ثم قال وهو يلعق شفتيه : " أيها الكلب الصغير , لديك وجنتان ممتلئتان . "
أعتقد أنهما كانتا ممتلئتين , مع أنني إذ ذاك كنت أبدو أصغر حجماً من سني , وهزيل القوة .
سألني عن مكان والدي ووالدتي , وعندما أشرت إلى قبريهما , سألني مع من أسكن فأخبرته أنني مع أختي زوجة الحداد جو غارجري .
عندما سمع كلمة حداد , نظر إلى ساقه ثم راح ينظر إلي . فأمسك بي بذراعيه وأوعز إلي أن أحضر له في الصباح الباكر مبرداً وبعض الطعام , وإلا فسيقتلع كبدي وقلبي . لم أستطع التفوه بكلمة , فتابع يقول : " لست بمفردي كما تظن , هناك شاب مختبئ معي , وأنا ملاك قران معه . إن ذلك الشاب يستمع إلى كلماتي , إن له طريقة خاصة به للحصول على الأولاد وعلى أكبادهم وقلوبهم . وعبثاً يحاول الفتى الاختباء من هذا الشاب .
وعدته بأن أحضر له المبرد وما أستطيع إحضاره من فتات الخبز , وتمنيت له ليلة سعيدة .
عرج نحو جدار الكنيسة المنخفض وخطا فوقه , ثم التفت لينظر إلي . حين رأيته ينظر إلي , توجهت صوب المنزل وانطلقت بأقصى سرعتي ...
الفصل الثاني
أصبحت لصا
شقيقتي السيدة جو غارجري تكبرني بعشرين عاماً , وهي طويلة القامة , نحيلة الجسم , بسيطة المحيّا . وقد كونت لنفسها مقاماً رفيعاً بين الجيران لأنها تولت تنشئتي على يديها . وفيما كنت أرغب باكتشاف مدلول هذا التعبير , علماً بأن لديها يداً قاسية ثقيلة تلقي بها عادة عليّ وعلى زوجها , فقد افترضت أنني نشأت مع جو غارجري على اليد .
كان جو رجلاً لطيفاً . شعره بني فاتح وعيناه زرقاوان . كان رجلاً ليناً , طلق المحيّا , بسيطاً , وقريباً إلى القلب .
حين أسرعت إلى البيت عائداً من باحة الكنيسة , كان دكان جو المحاذي لبيتنا مقفلاً . وكان جو يجلس في المطبخ بمفرده .
وبما أنني وجو كنا رفيقين في التعاسة , فقد أفضى إلي أن شقيقتي خرجت عدة مرات تبحث عني وهي تحمل عصا بيدها . وما لبث أن رآها قادمة , حتى نصحني بأن أختبئ خلف الباب , فعملت بنصيحته على الفور .
دفعت شقيقتي بالباب على مصراعيه , وحين وجدت ما يعقبه من الخلف , أدركت السبب بسرعة , فانهالت عليّ بالعصا , وانتهت بإلقائي على جو الذي كان يسره الإمساك بي في مطلق الأحوال , فوضعني في زاوية المدفأة وأحاطني بساقه الضخمة .
قالت السيدة جو وهي تضرب الأرض بساقها : " أين كنت أيها القرد الصغير ؟ أخبرني بسرعة أين كنت لتقلقني وتُهلِكُني بالبحث عنك ؟ أو اقتلعتك من هذه الزاوية حتى لو كنت خمسين بيب وهو خمسمائة جو غارجري . "
فقلت وأنا أبكي وأحك جسدي : " ذهبت إلى فناء الكنيسة فقط . "
فردت قائلة : " فناء الكنيسة ! لولاي لكنت في فناء الكنيسة منذ زمن بعيد , ولبقيت هناك إلى الأبد . "
انكبت تجهز الشاي ؛ فمسحت رغيفاً بالزبدة وقطعت قطعة سميكة ما لبثت أن قطعتها ثانية إلى نصفين , نال جو أحدهما وأنا نلْتُ النصف الآخر . رغم أنني كنت جائعاً , لكنني لم أجرؤ على أكل قطعتي إذ يجب أن أحتفظ بشيء احتياطي لصاحبي المخيف وحليفه الذي كان بدوره أكثر رعباً منه . انتظرت لحظة لم يكن جو ينظر إلي , وخبأت قطعة الخبز المدهونة بالزبدة تحت سروالي .
اندهش جو حين رأى أن قطعتي اختفت فجأة , وظن أنني ابتلعتها دفعة واحدة . وكذلك اعتقدت شقيقتي التي أصرت على إعطائي دواءً مقيتاً اسمه : ( ماء القار ) .
أما الفكرة الآثمة بسرقة السيدة جو , إضافة إلى إبقاء يدي على قطعة الخبز والزبدة أثناء الجلوس والسير , فقد ذهبت بعقلي . وسررت إذ تدبرت الانسلال وخبأتها في غرفتي .
عند سماع طلقات نارية , سألت جو عن السبب فقال : " لقد فر مجرم آخر . وكان قد فر واحد آخر في الليلة الماضية من سفينة الاعتقال , وأطلقوا النار تحذيراً . ويبدو الآن أنهم يطلقوها تحذيراً من آخر . "
رحت أطرح الكثير من الأسئلة عن المجرمين وعن سفن الاعتقال حتى ضاقت بي شقيقتي ذرعا , فأخبرتني أن الناس يودعون في سفن الاعتقال لأنهم يقتلون ويزَوِّرون ويسرقون , وأنهم يبدؤون دائماً بطرح الأسئلة .
وفيما كنت أصعد إلى غرفة نومي في الظلام , بقيت أفكر في كلماتها , والرعب يملأ قلبي . فمن الواضح أنني في الطريق إلى سفينة الاعتقال لأنني بدأت بطرح الأسئلة , وكنت أنوي سرقة السيدة جو .
أمضيت ليلة رهيبة مليئة بالأحلام المخيفة . وحالما بزغ الفجر , تسللت إلى غرفة التموين التي كانت تغص بالأغراض والمؤن بسبب موسم الميلاد . سرقت بعض الخبز وقطعة من الجبن قاسية , ونحو نصف جرة من اللحم المفروم , وبعض الشراب من قنينة حجرية و وعظمة مكسوة بقليل من اللحم , وفطيرة مستديرة جميلة ظننت أنها لم تكن قيد الاستهلاك السريع , وإنه لن يتم البحث عنها إلا بعد فترة من الزمن .
وبعد أن تناولت مبرداً كذلك من بين عدة جو , هرعت إلى المستنقعات المكسوة بالضباب .