الفصل التاسع
المحبة الزائفة
عدْت إلى منزل الآنسة هافيشام في الموعد المضروب , وحضرت استيلا حين قرعت جرس البوابة . فسارت أمامي في الممر المظلم حيث كانت تضع شمعتها , فتناولت الشمعة وقالت : " عليك سلوك هذا الطريق اليوم . "
وأخذتني إلى قسم آخر من المنزل . وفيما نحن نسير في الممر المظلم , توقفت استيلا فجأة , وقالت بعد أن أدارت وجهها بالقرب من وجهي : " حسناً . "
فأجبت وأنا أكاد أقع فوقها , لكنني تمالكت نفسي : " حسناً يا آنسة ؟ "
وقفت تنظر إلي , فوقفت بالطبع أنظر إليها .
" هل أنا جميلة ؟ "
" أجل , أعتقد أنك جميلة جداً . "
" هل أنا أتسبب بتحقيرك ؟ "
" ليس كثيراً مثلما كنت المرة الماضية . "
" أليس كثيراً هذا ؟ "
" كلا . "
برقت عيناها غضباً حين طرحت علي السؤال الأخير , فصفعت وجهي بأقصى قوتها حين أجبتها . وقالت : " والآن , أيها الوحش الفظ الصغير , ما رأيك فيّ ؟ "
" لن أقول ذلك . "
" لأنك ستقول ذلك في الطابق العلوي , أليس كذلك ؟ "
فقلت : " كلا , الأمر ليس كذلك . "
" لماذا لا تبكي ثانية , أيها البائس الصغير ؟ "
" قلت : " لأنني لن أبكي بسببك ثانية . "
وكان ذلك كذباً , فقد كنت أبكي بداخلي بسببها . وأعلم مدى الألم الذي سببتْه لي لاحقاً .
صعدنا إثر ذلك إلى الطابق الأعلى , إلى غرفة الآنسة هافيشام حيث تركتني استيلا عند الباب . ومكثت هناك إلى أن أشاحت الآنسة هافيشام بنظرها نحوي من طاولة التجميل . فقالت من دون دهشة أو استغراب :" هكذا ! فالأيام قد ولّت , أليس كذلك؟ "
" أجل سيدتي , اليوم هو . "
" رويدك , رويدك , رويدك ! "
وبحركة نافذة من أصابعها تابعت تقول: "لا أريد أن أعرف .هل أنت جاهز للعب؟ "
" لا أظن ذلك سيدتي . "
استوضحت تقول : " ليس للعب الورق ثانية ؟ " وهي تدقق بنظرة فاحصة .
" أجل سيدتي , يمكنني القيام بذلك لو كنتم بحاجة إلي . "
فقالت الآنسة هافيشام وقد عيل صبرها :"بما أن هذا البيت يجعلك حزيناً أيها الفتى, وأنت لا ترغب باللعب , فهل ترغب بالعمل ؟ "
قلت بأنني أرغب في ذلك كثيراً .
" إذن اذهب إلى الغرفة المقابلة وانتظر حتى أجيء . "
فعلت ذلك , ورأيت أن نور الشمس قد حُجب عن هذه الغرفة كذلك , وأن الشموع لم يكن لها سوى ضوء باهت .
كان كل شيء في الغرفة يكسوه الغبار , وكانت هنالك طاولة طويلة فرش عليها غطاء , وكأن وليمة كان يتم الإعداد لها حين تجمد المنزل وتوقفت الساعات جميعها سوياً . في وسط الطاولة رأيت ما يشبه كومة ضخمة من بيوت العنكبوت , والعناكب تتسارع دخولاً وخروجاً .
سمعت الفئران كذلك تخشخش خلف الدرف , فيما الخنافس السوداء تجول حول الموقد .
وفيما كنت أراقب تلك الزواحف عن بعد , وضعت الآنسة هافيشام يدها فوق كتفي . وأمسكت باليد الأخرى عصا تتكئ عليها .
فقالت وهي تشير بالعصا الطويلة على الطاولة : " هنا سأُسَجّى حين أموت. سيأتون لإلقاء النظرة عليّ هنا . "
ثم قالت وهي تشير إلى خيوط العنكبوت : " ماذا تعتقد ذلك يكون ؟ "
" لست أدري سيدتي . "
" إنها كعكة عظيمة , كعكة زفاف , إنها لي . "
ثم جالت بنظرها حول الغرفة وقالت وهي تتكئ على كتفي : " هيا بنا , هيا بنا , هيا بنا . ساعدني على السير , ساعدني على السير . "
فهمت من قولها أن ما ينبغي فعله هو مساعدة الآنسة هافيشام على السير حول الغرفة , فبدأت بذلك على الفور , واتكأت على كتفي ورحنا نسير حول الغرفة . وبعد فترة قالت : " نادي استيلا . "
فخرجت إلى مصطبة الدرج وناديت على استيلا . فجاءت هذه برفقة أربعة من أقارب الآنسة هافيشام , ثلاث سيدات ورجل . وقد جهد كل منهم أن يفوق الآخرين في اللطف تجاه الآنسة هافيشام , وفي التعبير عن مشاعر الحب والغيرة تجاهها .
لكنهم لم يتمكنوا من خداع الآنسة هافيشام , لعلمها بأن تعابيرهم عن المحبة زائفة , وأنهم لم يأتوا إلا سعياً لأموالها التي كانوا يأملون وراثتها بعد موتها . لقاء ذلك , فقد كانت تسخر من جشعهم وتلقي عليهم الشتائم ما لم يتجرؤوا على الاستياء منها علناً. كل ذلك كان دون أن تتوقف لحظة عن السير بسرعة حول الغرفة .
ثم أمرتهم بالذهاب . وفيما ابتعدت استيلا وهي تنير لهم الطريق , قالت لي الآنسة هافيشام " إنه يوم مولدي يا بيب , ولا أسمح للذين كانوا هنا الآن , ولا لأي أحد , بالتحدث عن ذلك . إنهم يأتون في هذه المناسبة لكنهم لا يتجرؤون على ذكرها . "
عادت استيلا ، فأمرتْنا الآنسة هافيشام بلعب الورق ، لذا عدنا لغرفتها ، ولعبنا
كالسابق . أخذت الآنسة هافيشام تراقبنا طوال الوقت , وتلفت انتباهي إلى جمال استيلا وتدفعني للتنبه بذلك أكثر بتجربة المجوهرات على صدر استيلا وشعرها , بعد أن لعبنا ستة أدوار , حدد يوم لعودتي , وتم اصطحاب إلى الفناء في الأسفل لإطعامي كالسابق . مما يشبه الكلاب . وهناك أيضاً , تُركت أتجول كما يحلو لي , صدف أن نظرت داخل إحدى النوافذ , فوجدت لدهشتي العظيمة , أنني أتبادل النظر مع فتى شاب شاحب اللون , أحمر الجفون , خفيف الشعر .
توارى هذا بسرعة , ثم ظهر ثانية بالقرب مني , وقال : " مرحباً أيها الصغير . "
فقلت : " مرحباً . "
" من أدخلك ؟ "
" الآنسة استيلا . "
قال الشاب الهزيل : " تعال نتقاتل . "
لم يكن بوسعي سوى اللحاق به , فقد كان أسلوبه جازماً , وكنت من الذهول حتى تبعته حيث سار وكأنني تحت تأثير سحر .
قال : " لكن توقف قليلاً , لابد لي أن أبرر لك سبب القتال أيضاً . فإليك به ! " وبطريقة مزعجة للغاية ضرب كفيه , ورفع بأحد ساقيه للخلف , ثم شد بشعري , وأحنى رأسه ونطح به معدتي .
فضربته وكنت على وشك ضربه ثانية حتى بدأ يترنح إلى الأمام والخلف . ثم قال : " تعال إلى الحلبة . "
لذا تبعته إلى طرف الحديقة . لم يخلع إذ ذاك سترته وصدرته وحسب , بل قميصه أيضاً .
ورغم أنه لم يبد ممتلئ العافية , لكن استعداداته المخيفة أرعبتني بالفعل . لكن , لدهشتي , ما إن ضربته حتى هوى على ظهره , وتمدد ينظر إليّ وأنفه ينزف .
لكنه نهض على قدميه في الحال , وبعد أن مسح أنفه , بدأ يقاتل من جديد . وأكثر ما أدهشني هو رؤيته ملقى على ظهره وهو ينظر إليّ بعين أصيبت بكدمة سوداء .
بدا في غاية الشجاعة والبراءة , إذ رغم أنني لم أعرض عليه القتال , لكنني شعرت بمتعة دفينة بانتصاري . فارتديت ثيابي وقلت : " هل أستطيع مساعدتك ؟ "
فقال : " لا , شكراً . "
قلت : " عمت مساءً . "
فقال : " عمت مساءً . "
عندما رجعت إلى الساحة , وجدت استيلا بانتظاري تحمل المفاتيح . كان وجهها يشعّ تورداً وكأن شيئاً حدث بما يدخل الفرحة إلى قلبها .
قالت : " تعال هنا ! يمكنك تقبيلي إن أردت ذلك . "
فقبلْتُ خدها حين أدارته لي , لكنني شعرت أن القبلة قدمت للفتى العامي الخشن , مثلما يُعطى قطعة من النقود , وأنها لم تكن بذي قيمة .
الفصل العاشر
خمسة وعشرون جنيهاً
قلقت في شأن الشاب الهزيل , وكلما فكرت بالقتال وتذكرت الشاب وهو ممدد على ظهره , تأكد لي أكثر ضرورة القيام بشيء ما . حتى إنني لزمت البيت لبضعة أيام, وكنت أنظر إلى باب المطبخ بحذر شديد قبل الذهاب في مهمة , لئلا يكون رجال الشرطة يبحثون عني . وعندما حان موعد عودتي للمكان الذي حصل فيه العراك , بلغت مخاوفي ذروتها . إنما
كان علي الذهاب إلى منزل الآنسة هافيشام ,ومع ذلك , فإن شيئاً لم يُذكر عن قتالنا , ولم يظهر أي شاب هزيل .
رأيت كرسياً بعجلات خارج غرفة الآنسة هافيشام , ومنذ ذلك النهار صارت لي مهمة نظامية هي دفع الآنسة هافيشام على هذا الكرسي ( حين تكون متعبة من السير وهي تستند بيدها على كتفي ) حول غرفتها , ثم مروراً بمصطبة الدرج , وحول الغرفة الأخرى .
وفيما بدأ كل منا يعتاد على الآخر , أخذت الآنسة هافيشام تتحدث معي أكثر , فسألتني عما تعلمته وعما سأكون . فأخبرتها بأنه سيعهد بي إلى جو لأتلقى المهنة على يده ؛ وبالغت بشأن جهلي بكل شيء , وبأنني أرغب في معرفة كل شيء , على أمل أن تقدم لي بعض المعونة لتحقيق ذلك . لكنها لم تفعل . كما لم تعطني من المال أو أي شيء آخر باستثناء غدائي
اليومي .
كانت استيلا دائماً هناك , وكانت دائماً تقوم باصطحابي إلى الداخل والخارج , لكنها لم تقل أن بإمكاني تقبيلها من جديد . في بعض الأحيان , كانت تحتملني ببرودة ؛ أحياناً أخرى كانت حميمة ؛ وكانت في بعض الأحيان تخبرني بحماس أنها تكرهني. أما الآنسة هافيشام كانت دائماً تسألني بهمس , أو حين نكون على انفراد : " هل تزداد جمالاً يا بيب ؟ " وحين
أجيب بنعم , كانت تفرح بتوق شديد . أحياناً حين يكون مزاج استيلا من التنوع والتضارب حتى كنت أحتار ماذا تراني أقول أو أفعل, كانت الآنسة هافيشام تعانقها بمحبة وتهمس بأذنها : " حطمي قلوبهم يا عزيزتي ويا أملي , حطمي قلوبهم دون أي رحمة ! "
في غضون ذلك , كانت المشاورات تدور في المطبخ بين شقيقتي وذلك الأحمق بامبلتشوك . فكان ذلك التعيس يجرني من مقعدي ( فيما يمسك عادة بياقتي ) حيث أكون منزوياً في سكينة , فيضعني قبالة النار وكأنني سأُطهى , ثم يبدأ يقول : " والآن سيدتي , هو ذا الفتى ! هو ذا الفتى الذي أنشأته على يدك . ارفع رأسك يا فتى وكن دائم الامتنان للذين قاموا بذلك ,
" ثم يشرع مع شقيقتي بالتأمل السخيف حيال الآنسة هافيشام , وعما ستفعله معي ومن أجلي و حتى اعتدت على الرغبة بالانفجار بالبكاء , والاندفاع نحو بامبلتشوك أضربه بقبضتي مرة تلو الأخرى .
لم يشترك جو بهذه النقاشات , ولكن شقيقتي شرعت بأنه لا يرغب بإبعادي عن دكانه و فغضبت منه ومني .
يقيناً على هذه الحال مدة طويلة . وفي ذات يوم , قالت لي الآنسة هافيشام : " إنك تزداد طولاً يا بيب ! "
لم تقل أكثر من هذا في ذلك الحين . لكنها قالت في المرة الثانية حين ذهبت لرؤيتها: " أخبرني ثانية , ما اسم الحداد الذي تعمل لديه ؟ "
" جو غارجري , سيدتي . "
هل هو المعلم الذي كنت ستتلمذ على يديه ؟ "
" أجل , آنسة هافيشام . "
" يجدر بك أن تتلمذ في الحال . حبذا لو يأتي غارجري إلى هنا ويصطحب الأوراق الضرورية . "
قلت لها بأن لا شك لدي بأنه سيشرَّف بهذه الدعوة .
" إذن , فليأت بالحال وكن برفقته . "
بعد يومين , ارتدى جو ثياب نهار الأحد لمرافقتي إلى منزل الآنسة هافيشام . وأعلنت شقيقتي على عزمها الذهاب معنا إلى المدينة , فنتركها لدى بامبلتشوك وتعود معنا بعد أن نتفق مع (( سيداتنا الأنيقات . ))
أُقفل دكان الحداد ذلك النهار , واتجهنا إلى المدينة , فذهبت مع جو إلى منزل الآنسة هافيشام مباشرة . فتحت استيلا البوابة . وحالما ظهرت , تناول جو قبعته ووقف يمسك بها بيديه .
أخبرتني استيلا بأنه يمكننا أن ندخل سوياً , فأمسكت بذراع جو واصطحبته إلى حيث تجلس الآنسة هافيشام . كانت تجلس إلى طاولة التجميل فنظرت إلينا في الحال, وقالت لجو : " أوه , أأنت زوج شقيقة هذا الفتى ؟ وقد أنشأته بهدف أن يتتلمذ على يديك , أليس كذلك يا سيد غارجري ؟ "
طوال المقابلة , كان جو يصر على مخاطبتي بدلاً من الآنسة هافيشام , فقال : " أنت تعلم يا بيب أننا كنا دائماً أصدقاء , ونحن نأمل بمساعدتك لي في الدكان . لكن إن كان لديك أي اعتراض يا بيب , أرجو الإفصاح عن ذلك , وسيهتمون بالأمر . "
قالت الآنسة هافيشام : " هل أبدى الفتى أي اعتراض ؟ وهل يحب المهنة ؟ "
فقال جو : " أنت تعلم يا بيب أنها كانت دائماً أمل فؤادك . "
لم أفلح في جعله يدرك أن عليه مخاطبة الآنسة هافيشام مباشرة . وكان كلما أومأت له ووجهت إليه الإشارات , يزداد إصراراً على مخاطبتي , معتبراً على ما يبدو أن من غير اللائق مخاطبتها .
سألت الآنسة هافيشام : " وهل أحضرت الأوراق معك ؟ "
فقال جو وكأن السؤال غير منطقي إلى حد ما : " عجباً يا بيب , تعلم أنك رأيتني أضعها في قبعتي , لذا لا بد أنك تعرف أنها هنا . "
ثم أخرجه من قبعته وسلمها إلي بدلاً من الآنسة هافيشام . أخشى أني خجلت من صديقي العزيز الطيب حين رأيت أن استيلا تقف وراء كرسي الآنسة هافيشام , وأن في عينيها ضحكة ساخرة . أخذت الأوراق منه وأعطيتها للآنسة هافيشام .
قرأتها الآنسة هافيشام , ثم قالت لجو :"لم تكن تتوقع أجراً لقاء تعليم الفتى مهنتك؟ "
فقلت له حين لم يأت بجواب : " جو ! لماذا لا تجيب ؟ "
فقال : " بيب , قصدت القول بأن السؤال لا يحتاج إلى جواب بيني وبينك , وأنت تعلم حق العلم أن الجواب هو كلا . "
تناولت الآنسة هافيشام كيساً صغيراً من الطاولة التي بقربها وقالت : " لقد كسب بيب بعض المال هذا , إليك به . يوجد خمسة وعشرون جنيهاً في هذا الكيس . أعطها لسيدك يا بيب . "
بدا بيب وكأنه فقد عقله تماماً من الدهشة حيال شخصها الغريب والغرفة الغريبة , فلم يشأ حتى الآن إلا أن يخاطبني دون سواي . فقال : " هذا لطف منك يا بيب . إنه موضع ترحيب بالغ , رغم أنني لم أكن لأطلب ذلك . "
قالت الآنسة هافيشام : " وداعاً يا بيب ! اصطحبيهما إلى الخارج يا استيلا . "
فسألتها : " هل ينبغي أن أعود ثانية , آنسة هافيشام ؟ "
" كلا , غارجري هو سيدك الآن . غارجري ! كلمة من فضلك ! "
وفيما نادت عليه أن يعود ثانية أثناء خروجه من الغرفة , سمعتها تقول لجو : " كان الفتى طيباً هنا , وتلك هي مكافأته . ولا شك , بصفتك رجلاً شريفاً , فليس لك أن تتوقع المزيد . "
كيف خرج جو من الغرفة , لم أستطع التحديد ؛ لكنني أعلم أنه حين خرج فعلاً , شرع يصعد إلى الأعلى بدلاً من النزول على السلم , فتبعته وأمسكت به . بعد دقيقة كنا خارج البوابة , فتمَّ إقفاله وتوارت استيلا .
صاحت شقيقتي حين عدنا إلى العم بامبلتشوك : " حسناً , ما الذي أعطته للصبي ؟"
طلب جو منها ومن بامبلتشوك أن يحزرا . فاعتبرا أن عشرين جنيهاً هي مكافأة كريمة , لكن جو قال بحبور وهو يقدم الكيس لشقيقتي : " إنها خمسة وعشرون جنيهاً . "
فقال بامبلتشوك وهو ينهض لمصافحتها : " إنها خمسة وعشرون جنيهاً سيدتي . وهذا لا يتجاوز فضائلك , أتمنى أن تنعمي بالمبلغ . "
ثم أمسكني بذراعي وقال : " والآن , ترون يا جوزيف وزوجته , فأنا من الذين ينجزون دائماً ما يبدؤون به. ينبغي في الحال تسجيل الفتى قانونياً لدى مدرب مهني"
ذهبنا في الحال إلى دار البلدية لقيدي متدرباً لدى جو أمام القاضي . فتمَّ التوقيع على المستندات , وأصبحت (( ملزماً )) .
حين عدنا إلى بامبلتشوك , كانت شقيقتي في غاية النشوة بالخمسة والعشرين جنيهاً, حتى أنها أصرت على أن نتناول الطعام في مطعم (( البلو بور )) ( الخنزير الأزرق ) , حيث دُعي آل هابل والسيد ووبسيل .
كان يوماً أمضيته في كآبة بالغة , إذ لم يُسمح لي بالذهاب للنوم , بل كانوا كلما رأوني أغفو , يعمدون إلى إيقاظي ويطلبون إلي أن أمتع النفس .
عدنا في نهاية المطاف إلى المنزل , وحين دخلت غرفة نومي الصغيرة كنت أشعر بتعاسة بالغة , وغامرني اعتقاد راسخ بأنني لن أحب مهنة جو . لقد أحببتها فيما مضى , لكن الماضي هو غير اليوم .
كنت مكتئباً للغاية في أول يوم عمل من فترة التدريب , لكنني كنت سعيداً لأنني لم أتفوه بكلمة من هذا أمام جو . إنه الشيء الوحيد تقريباً الذي يسرني معرفته عن نفسي في ذلك الخصوص .
من يستطيع قول (( ما كنت أريده )) ؟ كيف لي أن أقول حين كنت أجهل الأمر تماماً ؟ ما كنت أخشاه هو أن أتطلع في ساعة مشؤومة , حين أكون في أشد الحالات اتساخاً وعامية , فأرى استيلا تنظر إلي من أحد النوافذ في الدكان . وتملكني الخوف من أنها ستجدني , عاجلاً أم آجلاً , بوجه أسود ويدين سوداوين , أقوم بأخن جزء من عملي , فتنتصر علي
وتحتقرني .
الفصل الحادي عشر
أورليك العجوز
كان جو يستخدم عاملاً لقاء أجر أسبوعي اسمه أورليك . كان هذا شخصاً داكن اللون , عريض المنكبين , مرخي الأطراف , وصاحب قوة شديدة . لم يكن يحبني, وحين بدأت أتدرب لدى جو , ازداد مقتاً تجاهي , اعتقاداً منه بأنني سأحل مكانه .
رغبت بزيارة الآنسة هافيشام واستيلا , فطلبت من جو إعطائي نصف نهار عطلة . وفيما كنت أذكِّره بذلك في الدكان قال أورليك : " مهلاً سيدي , لن تميز بيننا بالتأكيد . إن حظِي بيب بنصف نهار عطلة , فافعل ذلك مع أورليك العجوز . " ( كان دائماً يطلق على نفسه اسم أورليك العجوز . )
" لِم ؟ وماذا ستفعل بنصف النهار إن حصلت عليه ؟ "
ماذا سأفعل به ؟ وماذا سيفعل به هو ؟ سأفعل به بقدر ما فعل . "
فقال جو : " أما بالنسبة إلى بيب , فهو ذاهب إلى المدينة . "
أجاب العامل : " حسناً إذن , بالنسبة إلى أورليك العجوز فهو ذاهب إلى المدينة . فاثنان يمكنهما الذهاب إلى المدينة . "
فقال جو : " لا تغضب . "
فتمتم أورليك متذمراً : " سأفعل إن شئت ذلك . والآن يا سيدي , كن عادلاً . لا تمييز في هذا الدكان , كن إنساناً ! "
قال جو : " حسناً , بما أنك تلتزم بعملك عامة مثل سائر الرجال , ليكن نصف نهار عطلة للجميع ! "
كانت شقيقتي تقف صامتة في الساحة بحيث كان يمكنها سماع الحديث , فتطلعت بسرعة عبر إحدى النوافذ , وقالت لجو : " هذا شأنك أيها الأحمق , تعطي العطل هكذا لأشخاص بلداء . لابد أنك رجل غني لتنفق الأجور على هذا النحو , ليتني كنت سيده ! "
فرد أورليك بسرعة : " حسبك أن تكونين سيد الجميع لو تسنى لك ذلك . "
قال جو : " دعها وشأنها . "
فأجابت شقيقتي وقد بدأت تستشيط غضباً : " سأكون ندة الجميع الحمقى وجميع الأشرار . "
همدر أورليك قائلاً : " أنت امرأة شريرة , أيتها الأم غارجري . "
قال جو : " دعها وشأنها , هلا سمحت ؟ "
فقالت شقيقتي وقد بدأت بالزعيق : " ماذا قلت ؟ ماذا قلت ؟ بيب , ماذا قال لي ذلك التافه أورليك ؟ ماذا دعاني فيما زوجي يقف أمامه ؟ آه , آه , آه ... بماذا نعتني برجل دنيء أقسم أن يدافع عني ؟ آه , أمسكوا بي ! آه ! "
وفيما هي في ذروة الغضب , اندفعت إلى الباب الذي أقفلته لحسن الحظ .
لم يتسن لجو المسكين الآن سوى مواجهة عامله وسؤاله عما يقصده من التدخل بينه وبين السيدة جو , وعلاوة على ذلك , إن كان من الرجولة بما يكفي القتال . وهكذا اندفع الاثنان نحو بعضهما البعض كعملاقين جبارين . لكنني لم أر رجلاً في الجوار يستطيع أن يقف في وجه جو . أما أورليك الذي بدا وكأنه لم يتجاوز شأن الشاب الهزيل , فسرعان ما بات
وسط غبار الفحم . ولم يخرج منها إلا ببطء شديد . ثم فتح جو الباب ليلتقط شقيقتي التي سقطت فاقدة الوعي , فحملها إلى البيت وسجاها على الفراش .
صعدت إلى غرفتي لأرتدي ثياب العطلة , وحين نزلت ثانية , وجدت أورليك وجو يتشاركون وعاء من البيرة بمودة ومحبة .
حين وصلت إلى المدينة للقيام بزيارتي مررت ببوابة منزل الآنسة هافيشام عدة مرات قبل أن أصمم على قرع الجرس .
في داخل المنزل , وجدت كل شيء على حاله , باستثناء الآنسة هافيشام التي كانت بمفردها . فقالت : " حسناً ؟ آمل ألا تريد شيئاً . فإنك لن تحصل على شيء . "
" في الحقيقة كلا يا آنسة هافيشام . أردت فقط أن تعلمي أنني أحقق تقدماً في تدربي المهني , وأنني ممتن لك على الدوام . "
فقالت : " حسناً , حسناً . " وهي تشير بأصابعها الهرمة المتعبة . " تعال من وقت لآخر . تعال يوم ميلادك ــ أجل ! " ثم صاحت فجأة وهي تستدير بكرسيها نحوي :" أنت تبحث عن استيلا ؟ إيه ؟ "
في الواقع كنت أبحث عن استيلا , فتلعثمت بالقول إني آمل أن تكون بخير .
فقالت الآنسة هافيشام : " إنها في الخارج , في مدرسة جيدة , بعيدة عن المتناول ؛ وهي أجمل بكثير من السابق , وتحظى بإعجاب جميع من يروها . هل تشعر بفقدانك لها ؟ "
كنت مرتبكاً بما علي قوله , لكن الآنسة هافيشام أنقذتني من مشقة العثور على جواب بأن صرفتني . وحين أُغلقت البوابة خلفي , شعرت بالاستياء أكثر تجاه مهنتي ومنزلي وكل شيء . وكان هذا كل ما حصلت عليه بذهابي إلى منزل الآنسة هافيشام .
التقيت السيد ووبسيل في المدينة , فذهبت معه لرؤية العم بامبلتشوك . كان الليل شديد الظلمة حين سرنا عائدين إلى البيت . خلف المدينة , كنا نسير في ضباب رطب كثيف حين صادفنا رجلاً بدا وكأنه بانتظارنا . إنه أورليك . أخبرنا أن بعض المجرمين لا ريب قد فروا من سفينة الاعتقال , إذ كان يسمع طلقات نارية منذ هبوط الظلام .
في طريقنا إلى القرية , علمنا عند (( النوتيَّة الثلاث )) أن منزلنا قد تعرض للاقتحام أثناء غياب جو وأن هناك من تعرض للهجوم والإصابة .
هرعنا إلى البيت بأقصى سرعتنا , فوجدنا المطبخ يعج بالناس . كان هناك جراحاً , كما كان جو ومجموعة من النساء , والجميع على الارض في وسط المطبخ . فتراجعوا عندما رأوني , ورأيت شقيقتي مرتمية على الأرض فاقدة الوعي إذ تلقت ضربة على رأسها من قبل مجهول .
لم يسرق شيء من أي مكان من المنزل . ولا كانت في المطبخ آثار فوضى , باستثناء ما تسببته شقيقتي من جراء السقوط والنزف . إنما كان هناك دليل بارز وهو أنها تلقت الضرب على رأسها وعظام ظهرها بشيء ثقيل وغليظ . وكان بجانبها على الأرض قيد حديدي لمجرم قطعه بالمبرد .
فظننت أن القيد الحديدي يخص المجرم صاحبي ـ القيد الذي رأيته وسمعته فيما كان يعمل على قطعة بالمبرد في المستنقعات ـ لكن عقلي لم يتهمه باستخدامه للغاية تلك. فشككت بأورليك .
ومما أثار مخاوفي كان التصور بأنني قدمت السلاح , إنما تعذر علي التفكير بغير ذلك .وعانيت من مأزق رهيب فيما أخذت أفكر إن كان علي أن أبوح بسر طفولتي, وأخبر جو القصة كاملها . فقررت أن أقدم اعترافاً كاملاً حين تسنح الفرصة للمساعدة في اكتشاف هوية المهاجم .
بقي رجال الشرطة حول المنزل منذ أسبوع أو اثنين , وألقوا القبض على عدة أشخاص بريئين . لكنهم لم يقبضوا على المجرم أبداً .
بعد أن رحلوا بفترة طويلة , كانت شقيقتي طريحة الفراش وقد اشتد عليها المرض . فقد اختل بصرها , وتضرر سمعها وذاكرتها كثيراً , وغدا كلامها غير مفهوم . وحين شفيت في النهاية بحيث أصبحت تستطيع هبوط الدرج بمساعدتنا . كان من الضروري إبقاء لوحي الحجري إلى جانبها , لتشير بالكتابة إلى ما تعجز عن الإشارة إليه بالكلام .
لكن مزاجها تحسن كثيراً , وتحلت بالصبر . وقد احترنا في العثور على مرافقة لها, إلى أن توفقت عمة والد السيد ووبسيل , فانتقلت بيدي للعيش معنا . وكانت نعمة للأسرة , وخاصة لجو . فتولت مباشرة رعاية شقيقتي وكأنها درست طباعها منذ الطفولة , وصار بإمكان جو التمتع بحياة أهدأ , والذهاب إلى (( النوتية الثلاث )) من وقت لآخر , على سبيل التغيير
الذي أفاده كثيراً .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق