الفصل السادس
الآنسة هافيشام
حين كبرت , عُهِدَ بي إلى جو للتدريب لديه , وحتى ذلك الحين كنت غريباً في دكان الحداد , وعلاوة على ذلك , فكلما احتاج الجيران إلى صبي إضافي لتخويف الطيور أو جمع الحصى أو القيام بمثل هذه المهام , كان الاختيار من نصيبي على الدوام .
خلال هذه الفترة , كنت أحضر مدرسة ليلية تديرها عمة والد السيد ووبسيل . كان لها أسلوب غريب في التعليم , إذ كان من عادتها أن تذهب للنوم من السادسة حتى السابعة كل مساء , فتترك التلاميذ يجتهدون بمراقبتها وهي تفعل ذلك .
إضافة إلى هذه المؤسسة التربوية , كان لدى العمة ـ في نفس الغرفة ـ دُكَّانٌ عام صغير . لم تكن لديها فكرة عما لديها في الدكان من بضاعة , أو عن أسعار السلع في الدكان ,
بل هناك سجل ملوث بالزيت , تحتفظ به في أحد الأدراج وتستخدمه كدليل للأسعار ,
فكانت بيدي , التي تربطها قرابة بعيدة بالسيد ووبسيل ؛ تستعين به لتدبير كافة عمليات الدكان . كانت يتيمة مثلي . وكمثل حالي قد أنشئت على اليد .
وبمعونة بيدي , أكثر من معونة يد عمة والد السيد ووبسيل,مررت في كفاح مع الأحرف الأبجدية , ولقيت القلق الشديد من كل حرف . لكنني بدأت في النهاية , بطريقة عشوائية عمياء , أقرأ وأكتب وأحسب على أقل المستويات .
لم يسبق لجو أن ذهب للمدرسة في طفولته . وفي إحدى الأمسيات , فيما كنا جالسين سوياً قرب النار , كتبت له رسالة على لوح حجري قدمته له . ورغم أنه لم يستطع أن يقرأ سوى اسمه , قال إنني عالم كبير , وأفصح عن إعجابه بما لدي من علم ومعرفة . ثم أخبرني عن فترة من تاريخ حياته . فقد كان والده مدمناً على الشراب , وغالباً ما كان يضرب جو ووالدته , وقد هربا منه عدة مرات , وكان عليهما العمل لكسب قوتهما , لكنه كان يعيدهما إليه في كل مرة . كان على جو العمل حداداً مكان والده الكسول , وأعال والده إلى أن وافته المنية , وما لبثت والدته أن لحقت بزوجها .
ثم تعرف جو إلى شقيقتي وطلب يدها للزواج , ورجاها أن تحضرني معها إلى المنزل , قاءلاً إن هناك مكاناً يتسع لي في دكانه .
وقال جو في ختام روايته : " فأنت ترى يا بيب , ها نحن الآن ! فحين تساعدني في التعلم يابيب ( وأخبرك سلفاً بأنني بليد للغاية ) , لا ينبغي أن تلاحظ السيدة جو ما نقوم به . بل ينبغي أن يتم ذلك , إذا جاز لي القول , في الخفاء . ذلك أن شقيقتك تحب التحكم , ولن تقبل بوجود مثقفين في البيت ,ولن ترضى على الأخص أن أصبح مثقفاً , خشية أن أقف في وجهها ."
كدت أسأله " لماذا " حين قاطعني جو قائلاً : " تمهل قليلاً , أعرف ما ستقوله , تريد أن تعرف لماذا لا أقف في وجهها . حسناً , إن لشقيقتك عقلاً فذاً , لكنني لست كذلك . إضافة إلى ذلك يا بيب , إنني أرى كثيراً في والدتي المسكينة كامرأة تستبعد وتحطم قلبها الشريف دون أن تحصل على قدر من الطمأنينة في حياتها , حتى إنني أخشى أن أخطئ بعدم انتهاج ما تراه المرأة صحيحاً . وأفضل كثيراً أن أعاني شخصياً من التضايق بعض الشيء . حبذا لو أنني بمفردي أعاني من ذلك , حبذا لو لم يكن هناك إزعاج لك يا صديقي , ليتني أستطيع تحمل الأمر كله بنفسي , لكن هذا هو الحال يا بيب . آمل أن تتغاضى عن العيوب . "
رغم صغر سني , أظن أنني سجلت تقديراً جديداً لجو ابتداءً من تلك الليلة .
كانت السيدة جو تقوم بالتجول مع العم بامبلتشوك أيام التسوق لمساعدته في شراء حجات المنزل التي تتطلب حكمة المرأة . كان ذلك يوم التسوق , وقد خرجت السيدة جو في إحدى هذه الجولات .
وها قد وصلا . قالت السيدة جو : " والآن . " وهي تخلع أغطيتها بسرعة وشيء من الإثارة , فتلقي بقبعتها إلى الوراء على كتفيها حيث تتدلى بسلاسل . " إن لم يكن هذا الفتى , شكوراً هذه الليلة , فلن يكون كذلك أبداً . "
بدوت شكوراً بأفضل ما يستطيعه فتىً , دون أن يعلم بعد لِم يجب أن يكون كذلك .
فقالت شقيقتي : " لنأمل فقط ألا يطاله الفساد , لكن لدي مخاوفي . "
قال السيد بامبلتشوك : " من غير المحتمل أنها ستفسده , سيدتي . فهي تعرف أكثر . "
هي ! نظرت إلى جو وأنا أحرك شفتي وحاجبي متسائلاً , " هي ؟ " فنظر جو إلي وهو يحرك شفتيه وحاجبيه .
قالت السيدة جو بطريقتها الفظة : " حسناً , بماذا تحدقان ؟ هل المنزل يحترق ؟ "
فأشار جو بأدب قائلاً : " هناك شخص ما ـ ذكرها . "
فقالت زوجته : " وهي هي , على ما أعتقد ! إلا إذا كنت تدعو الآنسة هافيشام هو . وأشك أنك ستذهب إلى هذا الحد . "
قال جو : " الآنسة هافيشام في المدينة ؟ "
قالت شقيقتي : " وهل يوجد في المدينة آنسة هافيشام ؟ إنها تريد من هذا الفتى أن يذهب ويلعب هناك . ولا شك سيذهب . فالأفضل له أن يلعب هناك . " وأضافت وهي تهز رأسها لي تشجعني أن أكون خفيفاً ورياضياً : " وإلا فسأتدبر أمره . " ... كنت قد سمعت أن الآنسة هافيشام في المدينة ـ والجميع على بعد أميال سمعوا أن الآنسة هافيشام في المدينة ـ سيدة في غاية الثراء والحزم , تعيش في منزل فخم كئيب وتحيا حياة منفردة .
فقال جو مندهشاً : " حسناً , أستغرب كيف لها أن تعرف بيب ! "
صاحت شقيقتي : " أيها الأحمق ! ومن قال إنها تعرفه ؟ "
أشار جو بأدب ثانية : " هناك من ذكر أنها تريده أن يذهب ويلعب هناك . "
" ألا يمكنها أن تسأل العم بامبلتشوك إذا كان يعرف فتى لِيَذهب ويلعب هناك ؟ ألا يحتمل أن يكون العم بامبلتشوك مستأجراً لديها , وأنه يذهب إلى هناك أحياناً لتسديد إيجاره ؟ وألا يستطيع العم بامبلتشوك , كونه طيباً تجاهنا دائماً ,أن يتكلم عن هذا الفتى الذي كنت منذ زمن خادمة مطيعة له؟ "
فصاح العم بامبلتشوك : أحسنت ثانية , أسلوب جيد . حسناً عبرت ! جيد حقاً ! والآن يا جوزيف فإنك تعلم بالأمر . "
فقالت شقيقتي : " كلا يا جوزيف , فأنت لا تعلم أن العم بامبلتشوك , علماً منه أن مستقبل الفتى سيتحقق بذهابه إلى الآنسة هافيشام , قد عرض أن يأخذه إلى المدينة هذه الليلة , وفي عربته الخاصة , وأن يستبقيه لديه هذه الليلة ثم يأخذه إلى بيت الآنسة هافيشام في الصباح التالي . "
بعد أن أوضحت هذا ,
أمسكت بي فجأة , فوضعت رأسي تحت حنفية وغسلت رأسي بالصابون , ونشفتني حتى بدوت غير نفسي . ثم ألبستني ثياباً نظيفة من أجمل الأنواع , ثم ارتديت أضيق بذلاتي , وعُهد بي إلى السيد بامبلتشوك الذي ألقى علي خطاباً كنت أعلم أنه يحترق لإلقائه : " يا بني , كن مستحباً أبداً للأصدقاء , وخاصة الذين أنشأوك على أيديهم . "
قلت : " وداعاً يا جو . "
" ليباركك الله يا بيب , أيها الصديق القديم . "
لم يسبق أن افترقت عنه من قبل , وماذا بشأن مشاعري وماذا بشأن رغوة الصابون , ولم أستطع رؤية نجمة من خلال العربة المكشوفة . لكنها راحت تلمع واحدة إثر أخرى , دون أن تلقي ضوءاً على التسائل : لماذا بالله أنا ذاهب لألعب عند الآنسة هافيشام , وماذا تراني ألعب ...
الفصل السابع
زيارات المذلة
تناولت الفطور مع السيد بامبلتشوك عند الساعة الثامنة في الرواق خلف دكانه , وعند العاشرة , توجهنا إلى بيت الآنسة هافيشام ووصلناه بعد ربع ساعة . كان منزلاً قرميدياً كئيباً , فيه الكثير من القضبان الحديدية , وقد سُدّت بعض النوافذ , أما النوافذ الباقية , فقد أحاطت القضبان الصدئة بالمنخفض منها . وكانت هناك ساحة أمامية مسيجة , فكان علينا الإنتظار بعد قرع الجرس ليأتي من يفتح لنا . وفيما كنا ننتظر أمام البوابة , استرقت النظر ورأيت أن إلى جانب المنزل مصنع كبير للجعة .
فُتحت نافذة ونادى أحدهم بصوت واضح يسأل : " ما الاسم ؟ "
أجاب دليلي : " بامبلتشوك . "
فقال الصوت : " بالتمام ؟ "
أُغلقت النافذة ثانية , وجاءت صبية عبر الساحة تحمل مفتاحاً بيدها . فقال بامبلتشوك : " هذا هو بيب . "
رددت الصبية بالقول : " هذا هو بيب , أليس كذلك ؟ "
كان السيد بامبلتشوك يدخل البوابة عندما اعترضته بالبوابة وقالت : " هل تريد أن تقابل الآنسة هافيشام ؟ "
أجاب بامبلتشوك : " إذا كانت الآنسة هافيشام تريد مقابلتي . "
قالت الفتاة : " آه , لكنك ترى أنها لا ترغب في ذلك . "
قالتها بحزم , حتى أن السيد بامبلتشوك لم يتسنى له الاحتجاج . لكنه رماني بنظرة حادة - وكأنني اقترفت شيئاً بحقه - ثم رحل وهو يقول : " أيها الفتى ! ليكن مسلكك مفخرة لمن أنشؤوك على أيديهم . "
أقفلت الصبية البوابة , وذهبنا عبر الساحة . كانت مرصوفة ونظيفة , لكن العشب كان ينمو بين الحجارة . أما أبنية مصنع الجعة فقد كانت مشرعة , وجميعها خالية ومهملة .
رأتني أنظر إلى المصنع , فقالت : " بإمكانك أن تشرب جميع أنواع الجعة التي تصنع هناك دون أن يصيبك ضرر أيها الفتى . "
قلت بشيء من الحياء : " أظن باستطاعتي ذلك سيدتي . "
" يفضل ألا تخمّر الجعة هناك الآن , وإلا فسدت , ألا تعتقد ذلك أيها الفتى ؟ "
" يبدو الأمر كذلك سيدتي . "
أضافت تقول : " ليس بمعنى أن يحق لأي إنسان المحاولة . فقد توقف كل ذلك , وسيبقى المصنع متوقفاً كما هو الآن , إلى أن ينهار . أما بالنسبة للجعة المركزة , فهناك منها في الأقبية ما يكفي لإغراق المزرعة . "
" هل هذا هو اسم المنزل سيدتي ؟ "
" أحد أسمائه أيها الفتى . "
وهل له أكثر من اسم سيدتي ؟ "
" اسم آخر . إنه ساتيس , وهو يعني باليونانية أو اللاتينية كافٍ . "
فقلت : " بيت كافٍ ! اسم غريب سيدتي . "
أجابت : " أجل , لكنه يعني أكثر مما يبدو . يعني أنه متى يتم تركه , فالذي يملكه بلن يحتاج لشيء آخر . لابد أنه كان يسهل إرضاؤهم في تلك الأيام على ما أعتقد , لكن لا تتلكأ أيها الفتى . "
رغم أنها كانت تدعوني (( فتى )) , مراراً ودون أي اكتراث , فقد كانت في مثل سني تقريباً . بدت أكبر مني بكثير طبعاً كونها فتاة جميلة تفاخر بنفسها . كانت تهزأ بي وكأنها في الواحدة والعشرين من عمرها , وكأنها ملكة .
دخلنا المنزل من باب جانبي , وأول ما لاحظته هو أن جميع الممرات مظلمة , وأنها تركت شمعة مضاءةً هناك . فتناولتْها وسارت في المزيد من الممرات ثم صعدنا درجاً كان بدوره شديد الظلمة , ولم تنر طريقنا سوى تلك الشمعة . في نهاية المطاف وصلنا باب غرفة , فقالت : " ادخل . "
ثم رحلت والشمعة معها .
أزعجني ذلك كثيراً وانتابني شيء من الخوف . لكنني قرعت الباب , فأوعز إلي صوت من الغرفة بأن أدخُل . دخلت ووجدت نفسي في غرفة فسيحة تفيض بأنوار الشموع . لم يكن فيها أثر لضوء النهار . كانت هناك طاولة أنيقة للتجميل , وفي كرسي وثير تجلس أغرب امرأة رأيتها أو يمكن أن أراها في حياتي , وقد أراحت بكوعها وأناخت برأسها على تلك اليد .
كانت ترتدي ثياباً فاخرة كلها بيضاء , وكان حذاءها أبيض اللون , ويتدلى على شعرها غطاء طويل أبيض , وقد غرست في شعرها أزهاراً عرائسية , لكن شعرها كان أبيضاً . كانت بعض الجواهر المتلألئة تلمع حول عنقها ويديها , فيما كانت بعض الجواهر الأخرى تتلألأ على الطاولة . لم تكن قد انتهت من اللبس بعد , إذ لم تكن في قدمها سوى فردة حذاء واحد ـ فالأخرى كانت على الطاولة قرب يدها ـ ولم ترتد سلسلتها وساعتها بعد .
كل شيء حولي , مما يفترض أن يكون أبيض اللون , كان أبيضاً منذ زمن بعيد . وقد فقد بهجته , فبُهت واصفر لونه . العروس في ثوب العرس كانت ذابلة كثوبها , ولم يبق فيها بريق سوى بريق عينيها الغائرتين . كانت كتمثال شمع أو هيكل عظمي شاحب . نظرت إلي , وكنت سأصرخ لو استطعت ذلك .
قالت : " من هناك ؟ "
" بيب , سيدتي . "
" بيب ؟ "
" صبي السيد بامبلتشوك , سيدتي . جئت ـ لألعب . "
" اقترب , دعني أنظر إليك . اقترب أكثر . "
عندمل وقفت أمامها متجنباً نظراتها , لاحظت الأشياء المجاورة بالتفصيل , فوجدت أن ساعتها متوقفة عند التاسعة إلا ثلثاً . وأن ساعة الحائط كذلك متوقفة عند التاسعة إلا ثلثاً .
قالت الآنسة هافيشام : " انظر إلي , هل تخاف من امرأة لم تر الشمس منذ ولادتها ؟ "
أجبتها قائلاً : " كلا . " لكنها كانت كذبة .
" هل تعرف ما ألمس هنا ؟ "
" أجل , سيدتي . "
" ماذا ألمس ؟ "
" قلبكِ . "
" محطم . "
" نطقت الكلمة بنظرة شوق , ونبرة حازمة , وابتسامة غريبة بها شيء من المباهاة.
قالت الآنسة هافيشام : " إني متعبة وأريد شيئاً يسليني . لقد سئمت الرجال والنساء . إلعب . لدي هوى عليل في أن أرى البعض يلعب , هيا , هيا . "
وأشارت بأصابعها بتبرّم : " العب , العب . "
وقفت أنظر إلى الآنسة هافيشام في موقف أعتقد أنها اعتبرته أسلوباً معانداً . فقالت : " هل أنت حرون وعنيد ؟ "
" كلا , إني في غاية الأسف تجاهك , وآسف كثيراً لأنني لا أستطيع اللعب الآن . إن تذمّرت مني , سأقَع في مشكلة مع شقيقتي . لذا سأفعل ذلك إن استطعت . لكن المكان هنا غير مألوف وغريب جداً . كما أنه في غاية الرهافة والكآبة . "
فتمتمت قائلة : " جديد للغاية بالنسبة له , وقديم للغاية بالنسبة لي . غريب جداً بالنسبة له , ومألوف جداً بالنسبة لي . وحزين للغاية بالنسبة لكلينا ! نادي على استيلا , نادي على استيلا عند الباب . "
فعلت ذلك , وعندما أتت هذه أشارت لها الآنسة هافيشام بأن تقترب . فتناولت جوهرة من على الطاولة لتجربها على صدرها الفتيّ الجميل قبالة شعرها البني اللطيف .
" ستكون لك ذات يوم يا عزيزتي , وستستخدمينها جيداً . دعيني أراك تلعبين الورق مع هذا الفتى . "
" مع هذا الفتى ! كيف ذلك , إنه فتى عامل عاميّ . "
أظن أنني سمعت جواب الآنسة هافيشام ـ لكنه بدا مقيتاً ـ " ماذا ؟ يمكنك تحطيم فؤاده ! "
فسألتني استيلا بازدراء بالغ : " ماذا تلعب أيها الفتى ؟ "
لا شيء سوى لعبة المتسوّل يا سيدتي . "
قالت الآنسة هافيشام لاستيلا : " افقريه . "
وهكذا جلسنا للعب الورق .
وفيما كانت استيلا توزع الورق , أومأت بنظرة ثانية إلى طاولة التجميل ورأيت أن الحذاء الذي عليها بات أصفر اللون بعد أن كان أبيضاً فيما مضى , ولم يرتده أحد . نظرت إلى القدم التي كانت بدون حذاء , فرأيت أن الجورب الذي يغطيها بات أصفر اللون بعد أن كان أبيضاً , فيما مضى وأصبح مهترئاً من كثرة الاستهلاك . قالت استيلا بازدراء قبل أن تنتهي من الدور الأول : " إنه يسمي ورقة الجندي شب , هذا الفتى ! تباً ليديه الخشنتين وحذاءه الغليظ ! "
لم يخطر لي أبداً أن أخجل من يدي من قبل ؛ لكنني بدأت أعتبرهما يدين كريهتين . كان احتقارها شديداً لدرجة أنه كان معدياً فاتقطته .
فازت بالدور , فقمت بتوزيع الورق . أخفقت في التوزيع , وكان ذلك طبيعياً , لعلمي أنها كانت تتربص لإخفاقي ودعتني بالفتى العامل الأحمق المرتبك .
توجهت إلى الآنسة هافيشام بالقول فيما كانت تراقبنا : " لم تقل عنها شيء , إنها تقول عنك أشياء جارحة , لكنك لا تقول عنها شيئاً . فما هو رأيك فيها ؟ "
فقلت متلعثماً : " لا أرغب في القول . "
قالت الآنسة هافيشام وهي تنحني : " اهمس في أذني . "
فأجبت هامساً " أعتقد أنها مغرورة .
" هل من مزيد ؟ "
" أعتقد أنها قاسية في التحقير . "
" هل من مزيد ؟ "
" أظن أنني أرغب بالعودة إلى البيت . "
" وأن لا تراها ثانية , رغم جمالها الفائق ؟ "
" لست متأكداً من أنني لا أريد رؤيتها ثانية , لكنني أود أن أعود للبيت الآن . "
ثم قالت الآنسة هافيشام بصوت مرتفع : " ستذهب بعد قليل , والآن أكمل اللعب . "
أكملت اللعب مع استيلا فهزمتني.ألقت بالورق على الطاولة بعدما فازت بها جميعاً, وكأنها تحتقر الورق بعدما كسبته مني . وتساءلت الآنسة هافيشام : " متى ستأتي ثانية ؟ دعني أفكر . عُد بعد ستة أيام . استيلا , خذيه إلى الطابق السفلي وقدمي له شيئاً يأكله . اذهب يا بيب . "
نزلت استيلا أمامي إلى الطابق الأسفل وهي تحمل شمعة , وحين فتحت البوابة الجانبية , أزعجني ضوء النهار المتوهج . فقالت : " انتظر هنا أيها الفتى . " ثم توارت وأغلقت الباب , وفيما أنا لوحدي في الساحة , نظرت إلى يدي الخشنتين وإلى حذائي الغليظ . لم يسبق أن تسببا بالإزعاج لي فيما مضى , لكنهما باتا مصدر إزعاج الآن . تمنيت لو أن جو نشأ على تربية ألطف , فأنشأ حين ذاك مثله .
عادت الفتاة بشيء من الخبز واللحم وإبريق صغير من الجعة . وضعت الإبريق على الأرض وأعطتني الخبز واللحم دون أن تنظر إلي , بما ينم عن بالغ الازدراء وكأنني كلب حقير . شعرت بمذلة شديدة اغرورقت معها الدموع في عينيّ . رمقتني بنظرة فرح لأنها تمكنت من دفعي للبكاء . ثم انصرفت عني .
حين ذهبت , نظرت حولي أبحث عن مكان أخبئ فيه وجهي . وتواريت خلف أحد بوابات مصنع الجعة ورحت أبكي .
في نهاية الأمر مسحت وجهي بكمي وخرجت من خلف البوابة . كان الخبز واللحم مقبولين وأثارت الجعة فيّ بعض الدفء .
وما لبثت أن جاءت تحمل المفاتيح لكي تفتح الباب. فتحت البوابة ووقفت تمسك بها. كنت أخرج من البوابة دون أن أنظر إليها حين لمستني تسأل : " لماذا لا تبكي ؟ "
" لأنني لا أريد ذلك . "
فقالت : " بلى . لقد كنت تبكي حتى غشي بصرك . وإنك الآن على وشك البكاء . "
ضحكت بازدراء ودفعتني إلى الخارج , ثم أقفلت البوابة خلفي . سرت إلى البيت في غمٍّ شديد وأنا أفكر بكل ما رأيتُ , وقد أدركت بالفعل أنني مجرد عامل عاميّ .
الفصل الثامن
المركبة المخملية
عندما وصلت إلى البيت , كانت شقيقتي في غاية التوق لمعرفة كل شيء عن الآنسة هافيشام , فطرحت عدداً من الأسئلة . وسرعان ما راح الضرب ينهال علي ومن الوراء ويرتطم وجهي بجدار المطبخ لأنني لم أجب على تلك الأسئلة بالتفصيل .
والأسوأ من ذلك كان قدوم السيد بامبلتشوك العجوز المزعج بعربته لتلقي التفاصيل . سأل السيد بامبلتشوك : " كيف هي الآنسة هافيشام ؟ "
قلت له : " إنها في غاية الطول والسمرة . "
فسألت شقيقتي : " هل هي كذلك يا عمي ؟ "
أومأ لسيد بامبلتشوك بعينيه موافقاً , مما جعلني أستنتج في الحال أنه لم يرَ الآنسة هافيشام أبداً , لأنها لم تكن كذلك على الإطلاق . سأل السيد بامبلتشوك : ماذا كانت تفعل حين ذهبت اليوم ؟ "
أجبت : " كانت تجلس في مركبة مخملية سوداء . "
حدق السيد بامبلتشوك والسيدة جو إلى بعضهما وكررا معاً : " في مركبة مخملية سوداء ! "
قلت : " أجل , وقد قدمت لها الآنسة استيلا الكعك والنبيذ من نافذة العربة , على طبق من ذهب . "
سأل السيد بامبلتشوك : " وهل كان شخص آخر هناك ؟ "
قلت " أربعة كلاب . "
" كبيرة أم صغيرة ؟ "
" ضخمة , وكانوا يتقاتلون على قطعة لحم في سلة فضية . "
حدق السيد بامبلتشوك والسيدة جو إلى بعضهما ثانية في دهشة كبيرة . ثم سألت شقيقتي : " وأين كانت تلك العربة بالله عليك ؟ "
" في غرفة الآنسة هافيشام . " وحدقا إلى بعضهما مرة ثانية . قلت : " ولكن لم تكن هناك جياد مربوطة فيها . "
فسأل بامبلتشوك : " وبماذا لعبت يا فتى ؟ "
" لعبنا بالأعلام , استيلا لوحت بالعلم الأزرق وأنا بالعلم الأحمر , ولوحت الآنسة هافيشام بعلم يتألق بنجوم ذهبية صغيرة . ثم لوحنا جميعنا بسيوفنا وأطلقنا الهتاف ."
فرددت شقيقتي : " سيوف , من أين أتيتم بالسيوف ؟ "
" من خزانة , وقد رأيت فيها مسدسات ـ مربى ـ وحبوب . ولم يكن هناك ضوء للنهار في الغرفة , بل كانت مضاءة بالشموع . "
حدقا ببعضهما ثانية , وشرعا يبحثان في تلك الأعاجيب التي نجوت منها . وكان الحديث ما زال قائماً حين عاد جو من عمله لتناول فنجان من الشاي , فأخبرته شقيقتي بتجاربي المزعومة .
والآن , حين رأيت جو يفتح عينيه الزرقاوين ويحركهما بدهشة شديدة , شعرت بالأسف لأنني لفقت الكثير من الأكاذيب . وبعد أن ذهب بامبلتشوك , تسللت إلى دكان جو وقلت له : " جو , هل تذكر كل ما قيل عن الآنسة هافيشام ؟ "
قال جو : " أذكر ؟ إنني أصدقك ! رائع ! "
" إنه أمر فظيع يا جو . كان كذباً . كله كذب . "
ثم أخبرته بأنني أشعر بتعاسة بالغة , وأنني لم أستطع التعبير عن نفسي للسيدة جو و بامبلتشوك , وأنه كانت هناك شابة جميلة , لدى الآنسة هافيشام , تعاني من غرور رهيب , وأنها قالت بأنني عامي , وأن الكذب قد جاء عن ذلك بشكل ما .
وبعد شيء من التفكير قال جو : " هناك أمر يمكنك التأكد منه , وهو أن الأكاذيب هي مجرد أكاذيب . فلا تنطق بالمزيد منها يا بيب . أما بالنسبة لكونك عامي , فإنك لن تستطيع أن تكون إلا عامي عبر الكذب والخداع . "
حين صعدت إلى غرفتي الصغيرة واستلْقيت على سريري , رحت أفكر في كل هذا , لكنني فكرت كم ستعتبر استيلا والآنسة هافيشام جو عامياً , وهو مجرد حداد : كم حذاؤه غليظ , وكم يداه خشنتان .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق