الأحد، 24 سبتمبر 2017

12 - 13 - 14



الفصل الثاني عشر

الفتاة اللطيفة



بدأت تدريجياً أشعر بتغيير في بيدي . كان شعرها لامعاً , ناعم الملمس , ويداها نظيفتان دائماً . ليست جميلة ـ بل عادية , ولا يسعها أن تكون مثل استيلا , إنما كانت صاحبة لطف وحكمة وروح طيبة . وقد تدبرت كافة شؤون منزلنا بشكل رائع , كذلك فقد تعلمت كل ما تعلمته وظلت تواكبني على الدوام .

بعد ظهر يوم أحد , خرجنا نتمشى سوياً في منطقة المستنقعات . وحين بلغنا ضفة النهر وجلسنا إلى الضفة فيما المياه تترقرق عند أقدامنا , قررت أن الزمان والمكان مناسبان لمنح الثقة إلى بيدي . فقلت لها , بعد أن وعدت بحفظ السر : " أود أن أكون سيداً يا بيدي . "

أجابت : " لن أفعل ذلك إن كنت مكانك ! لا أعتقد أن ذلك يفيد ؛ ألا ترى أنك أكثر سعادة كما أنت الآن ؟ "

فقلت بتبرم : " لست سعيداً أبداً يا بيدي كما أنا . فقد نالني الاشمئزاز من مهنتي . ولن أرتاح إلا عندما أعيش حياة تختلف عن التي أعيشها الآن . "

قالت بيدي وهي تهز رأسها أسفاً : " إنه لأمر مؤسف ! "

ثم أخبرتها عن استيلا وكيف تعتبرني خشناً وعامياً , وأنها تفوق الجميع جمالاً , وكيف أنني شديد الإعجاب بها , وأريد أن أكون سيداً من أجلها .

" هل تريد أن تكون سيداً لمضايقتها أو للفوز بها ؟ فإن كنت تريد مضايقتها , فالأفضل عدم الاكتراث لكلماتها . وإن كان القصد هو الفوز بها , فاعتقادي هو أنها لا تستحق ذلك . "

قلت لبيدي : " ربما كان ذلك صحيحاً , لكنني في غاية الإعجاب بها . "

كانت بيدي أكثر الفتيات حكمة وتعقلاً , فلم تحاول النقاش معي أكثر , بل ربتت على كتفي بمواساة وقالت : " إنني سعيدة لأنك شعرت أن بإمكانك أن تمنحني ثقتك يا بيب . "

فصحت قائلاً وأنا أنهض : " بيدي , سأخبرك دائماً بكل شيء . "

فقالت بيدي : " إلى أن تصبح سيداً ؟ "

تابعنا السير قليلاً , ورحت أفكر إن كنت في وضع مناسب ومأمون أكثر مما لوكنت ألعب لعبة المتسول في الغرفة المظلمة ذات الساعات المتوقفة , حيث أتعرض للتحقير من استيلا . وتساءلت إن كنت على يقين لو كانت استيلا بجانبي في تلك اللحظة بدلاً من بيدي , إن كانت ستجعلني تعيساً . وكان لابد لي من الإقرار بأنني لم أكن متأكداً من ذلك , فقلت لنفسي :



" تباً لك من أحمق يا بيب " .

تحدثنا كثيراً أثناء السير , وبدا كل ما قالته بيدي صحيحاً . لم تجرح بيدي مزاجي ولم تكن تكن متقلبة المزاج , بل كانت تتألم لمجرد التسبب بإيلامي , وتفضل كثيراً أن تجرح فؤادها بدلاً من فؤادي . فكيف لي ألا أحبها أكثر ؟ قلت لها ونحن في طريق العودة للمنزل : " حبذا لو تستطيعين تقويمي يا بيدي . "

قالت : " ليتني أستطيع ذلك . "

" حبذا لو أستطيع فقط إيقاع نفسي في حبك ـ هل تمانعين أن أتحدث بهذه الصراحة لصديقة ألِفتها ؟ "

قالت بيدي : " كلا يا عزيزي , أبداً لا تكترث لي . "

" حبذا لو أستطيع حمل نفسي على ذلك , إنه القضية لدي . "

قالت : " لكنك لن تفعل . "

التقينا بأورليك قرب باحة الكنيسة , فهمدر هذا قائلاً : " مرحباً , إلى أين ذاهبان ."

" أين ينبغي أن نذهب سوى إلى المنزل ؟ "

فقال : " حسناً , سأرافقكما إلى المنزل . "

عارضت بيدي بشدة ذهابه معنا , فهمست لي تقول : " لا تدعه يأتي ؛ فأنا لا أحبه . " . وبما أنني لم أكن أحبه كذلك , قلت له أننا نشكره لكننا لا نريد الذهاب إلى المنزل .تلقى النبأ بصيحة ضاحكة, وتخلف عنا , لكنه راح يتبعنا بتكاسل على بعد خطوات قليلة . سألت بيدي لماذا لا تحبه فأجابت : " أوه , لأنني ـ لأنني أخشى أنه يحبني . "

سألتها بغضب : " وهل أخبرك بأنه يحبك ؟ "

فقال وهي تسترق النظر من فوق كتفيها : " كلا ! لم يخبرني أبداً بذلك , لكنه يلقي علي نظرة كلما استطاع جذب بصري . "

استشطت غضباً إزاء جرأة أورليك العجوز على الإعجاب بها ؛ بلغ غيظي حداً وكأن ذلك إهانة لي . ومنذ تلك الليلة أخذت أراقبه بحذر .







الفصل الثالث عشر

الآمال الكبيرة



كانت السنة الرابعة من تدريبي المهني لدى جو , وكانت ليلة السبت حيث كنا متحلقين حول المدفأة في حانة (( النوتية الثلاث )) نصغي إلى السيد ووبسيل وهو يقرأ بصوت مرتفع .

لم ألاحظ إلا بعدما انتهى من القراءة , أن هناك سيداً غريباً ينحني فوق ظهر الكرسي المقابل لي . فتقدم وقال وهو ينظر إلي : " لدي ما يحملني على الاعتقاد بأن هناك حداد بينكم , اسمه جوزيف , أو جو غارجري . أيكم ذاك الرجل ؟ "

قال جو : " هذا أنا . "

تابع الغريب يقول : " هل لديك من يتدرب على مهنتك , يعرف عامة باسم بيب ؟ وهل هو هنا ؟ "

فهتفت قائلاً : " إنني هنا . "

لاحظت أن رأسه ضخم , وبشرته داكنة وعيناه غائرتان وحاجباه كثيفين سوداوين . قال لي:" أود إجراء حديث خاص معكما. لعل من الأفضل أن نذهب إلى منزلكما. "

سرنا إلى المنزل في صمت يكتنفه التساؤل , وحين وصلنا هناك دخلنا غرفة الاستقبال , فجلس الغريب إلى الطاولة وهو يجذب الشمعة إليه ويدقق في دفتر صغير لديه , ثم قال : " اسمي جاغرز , وأنا محام من لندن . لدي مهمة استثنائية أنجزها معكما . والآن يا سيد جوزيف غارجري , إنني أنقل عرضاً يعفيك من هذا الصغير , تلميذك . لا أظن أنك ستعارض تخلية سبيله . بناء على طلبه وخدمة لمصلحته أو تبتغي شيئاً مقابل ذلك ؟ "

فقال جو : " لن أرغب في الوقوف في وجه بيب , ولا أريد شيئاً لقاء تخلية سبيله ."

قال السيد جاغرز : " حسناً , والآن , ما أريد أن أقوله لك هو أن بيب لديه آمال كبيرة . "

أخذت علينا الدهشة أنا وجو , ونظرنا إلى بعضنا البعض .

" إنني مكلف بإبلاغه بأنه سيحصل على ممتلكات لا بأس بها , وأن رغبة المالك الحالي هي بأن يُنقل بيب من هذا المكان , في حال أن ينشأ على تربية تليق بذوي الشأن . "

لقد تحقق حلمي , وتجاوزت الحقيقة مخيلتي الجامحة .

فالآنسة هافيشام ستكون ثروتي .. تابع المحامي يقول : " والآن سيد بيب , سأوجه إليك ما بقي علي قوله . ليكن واضحاً لديك أولاً أنه بناء لطلب الذي تلقيت منه تعليماتي , أنك ستحمل دائماً اسم بيب . وليكن في علمك ثانياً أن اسم الذي أحسن إليك سيبقى سراً , إلى أن يقرر هو البوح بذلك . ويحظر عليك الاستقصاء عن هذا الأمر , أو الإشارة إلى أي شخص أثناء الاتصالات التي تجري بيننا . إن كان لديك اعتراض على هذين الشرطين , فالآن هو الوقت المناسب للإفصاح عن ذلك . قل بصراحة . "

تلعثمت بصعوبة قائلاً أن لا اعتراض لدي , فتابع السيد جاغرز : " لا أظن ذلك ! والآن سيد بيب , ننتقل بعد ذلك إلى تفاصيل الترتيبات . لدي مبلغ من المال يكفي تعليمك ومصاريفك . أرجو أن تعتبرني وصياً لك . من المفروض أن تتعلم بشكل أفضل , تماشياً مع وضعك الجديد . "

فقلت بأنني طالما تشوقت لذلك .

فاقترح السيد جاغرز اسم السيد ماثيو بوكيت ـ الذي سبق وأن سمعت الآنسة هافيشام تقول بأنه أحد أقرباءها ـ أن يكون معلمي , فعبرت عن شكري للسيد جاغرز على هذا الاختيار , وقلت بأنني سأجرب هذا السيد بكل سرور .

" حسناً , من الأفضل أن تجربه في منزله , ستمهد الطريق أمامك , ويمكنك أولاً أن ترى ابنه , الذي في لندن . متى ستأتي إلى لندن ؟ "

قلت وأنا أنظر إلى جو الذي كان يقف محدقاً دون حراك , إنني أعتقد أن باستطاعتي الذهاب فوراً .

" لابد أولاً أن تكون لك ثياباً جديدة تذهب بها , لنقل بعد أسبوع . ستحتاج إلى بعض المال . هل أترك لك عشرين جنيهاً ؟ "

تناول محفظة طويلة وراح يعد المال على الطاولة ثم دفع بها إلي . ثم جلس يؤرجح محفظته وهو يراقب جو .

" جوزيف غارجري , تبدو في غاية الدهشة فعلاً . "

فقال جو بلهجة حازمة : " فعلاً . "

" تذكر بأن الاتفاق كان بأنك لا تريد شيئاً لنفسك . لكن ماذا لو كان من ضمن التعليمات لدي أن أقدم لك هدية على سبيل التعويض ؟ "

فاستوضح جو قائلاً : " تعويض على ماذا ؟ "

" على خسارة خدماته . "

وضع جو يده على كتفي برفق وقال : " إنني أرحب بانطلاقة بيب نحو العزة والثراء . إن كنت تعتقد أن المال يمكنه التعويض عن خسارتي لهذا الطفل الصغير الذي أتي إلى دكاني , وكنت معه من أفضل الأصدقاء . " ولم يستطع قول المزيد .

فقال السيد جاغرز : " والآن يا جوزيف غارجري , أنبهك إلى أنها فرصتك الأخيرة . فلا حلول وسط معي . فإن أردت أخذ الهدية التي أُذن لي بتقديمها لك , قل بصراحة وستحصل عليها . أما إن كنت تريد القول ــ " وهنا لدهشته الشديدة , توقف عن الكلام لدى تهيؤ جو لقتاله . فقال المحامي : " حسناً سيد بيب , أعتقد أنه كلما أسرعت بمغادرة المكان ـ نظراً إلى أنك ستصبح سيداً ـ لكان ذلك أفضل . ليكن في الأسبوع المقبل , وسوف يصلك في غضون ذلك عنواني مطبوعاً . فيمكنك أن تستقل عربة لدى مكتب عربات السفر في لندن , وتأتي إلي مباشرة . "

عندما غادرنا , أقفل جو الباب الأمامي , وجلسنا بقرب نار المطبخ , نحدق بإمعان في الفحم المشتعل , ولم نقل شيئاً لفترة طويلة .

كانت شقيقتي في مقعدها الوثير , وبيدي تجلس إلى جانب جو تقوم بأشغال الإبرة , فيما كنت جالساً إلى الجانب الآخر منه . قلت في النهاية : "جوهل أخبرت بيدي؟ "

" تركت الأمر لك يا بيب . "

" أفضل لو تخبرها أنت يا جو . "

فقال جو : " لقد أصبح بيب سيداً غنياً , ليباركه الله في ثروته . "

أوقفت بيدي عملها وراحت تنظر إلي . أمسك جو بركبتيه وراح ينظر إلي أيضاً . اطلعت إليهما , وبعد لحظة توقف , هنآني بحرارة , لكن مسحة حزن كانت في تهنئتهما , وأثارت لدي بعض الامتعاض .

حاولت بيدي أن تنقل لشقيقتي فكرة عما جرى لها , لكن جهودها باءت بالفشل .

بعد يومين , ارتديت أفضل ملابسي , وذهبت إلى المدينة باكراً قدر المستطاع على أمل أن أجد المحلات مفتوحة , فقمت أولاً بزيارة محل الخياط , حيث أخذ قياسي لخياطة بعض الثياب الجديدة , وتوجهت إثر ذلك إلى صانع القبعات وصانع الأحذية ومحلات أخرى ... ثم ذهبت إلى السيد بامبلتشوك , وقد سبق له وأن زار دكان جو وسمع الأخبار , فأعد وجبة خفيفة على شرفي . تلقاني بكلتا يديه ورحب بي بحفاوة وكأننا كنا أفضل الأصدقاء . فقال بعد أن نظر إلي بإعجاب لبضعة دقائق : " إن مجرد التفكير بأنني كنت الوسيلة المتواضعة التي أدت إلى هذا لهو مكافأة عظيمة. "

رجوت السيد بامبلتشوك أن لا يغيب عن باله أن شيئاً لا ينبغي قوله أو التلميح به في هذه الخصوص .

دعاني السيد بامبلتشوك لتناول الدجاج , وأفضل شرائح اللسانات , والنبيذ . وراح يصافحني مراراً وتكراراً . وأفضى إلي , للمرة الأولى في حياتي , أنه لطالما تحدث عني قائلاً : " إنه ليس بالفتى العادي , استمعوا جيداً , إن قدره لن يكون قدراً عادياً . "

استأذنت في النهاية مغادراً وعدت إلى المنزل .

مرت الأيام , وفي صباح الجمعة ذهبت ثانية إلى السيد بامبلتشوك لارتداء ملابسي الجديدة والقيام بزيارة الآنسة هافيشام . فتحت سارة بوكيت الباب لي واصطحبتني إلى الطابق الأعلى . كانت الآنسة هافيشام تقوم ببعض التمارين في الغرفة قرب الطاولة الطويلة , وهي تتكئ على عصاها فقالت : " سأغادر إلى لندن غداً , آنسة هافيشام . وأظن لا مانع لديك على مغادرتي . "

فقالت وهي تدير عصاها حولي , وكأنها العرابة الجنية التي بدلت حالي , تمنحني الهبة الأخيرة : " إن مظهرك أنيق . "

تمتمت قائلاً : " حظيت بثروة وافرة منذ رأيتك آخر مرة آنسة هافيشام , وإنني في غاية الامتنان لذلك , آنسة هافيشام . "

قالت وهي تنظر باغتباط إلى سارة بوكيت الحسودة : " أجل , أجل , لقد رأيت السيد جاغرز , وعلمت بالأمر يا بيب . إذن أنت ذاهب غداً ؟ "

" أجل , آنسة هافيشام . "

" وهل تبناك رجل ثري ؟ "

" أجل , آنسة هافيشام . "

" ألم يذكر اسمه ؟ "

" كلا , آنسة هافيشام . "

" وهل عين السيد جاغرز وصياً عليك ؟ "

" أجل , آنسة هافيشام . "

وتابعت تقول : " حسناً ! أمامك مستقبل يبشر بالخير , كن صالحاً ـ واعمل على أن تستحق ذلك ـ واتبع إرشادات السيد جاغرز . "

ثم نظرت إلي ونظرت إلى ساره , وقد أثار هدوء سارة ابتسامة قاسية على وجهها المؤرق .

" وداعاً يا بيب ـ تعلم بأن عليك الاحتفاظ دائماً باسم بيب . "

" أجل , آنسة هافيشام . "

" وداعاً يا بيب . "

مدت يدها , فانحنيت على ركبتي ولثمتها بشفتي , ثم غادرتها . رجعت إلى بامبلتشوك وخلعت ثيابي الجديدة , ثم لففتها في رزمة , وعدت إلى المنزل في ملابسي القديمة , وأنا أشعر ـ في الحقيقة ـ بمزيد من الارتياح , رغم أن لدي الرزمة أحملها .

وهاهي الأيام الستة التي كان ينبغي أن تمر ببطء , ولت بسرعة وذهبت , وراح الغد يواجهني بحزم لم أستطع مواجهته به . كان علي مغادرة قريتنا في الخامسة صباحاً , وكنت قد أخبرت جو أنني أرغب بالرحيل وحدي . طوال الليل , كانت العربات تمر في نومي المتقطع , تضل سبيلها بدلاً من التوجه إلى لندن , تجرها الكلاب مرة والقطط مرة أخرى والرجال مرة ثالثة , لكن دون أن تجرها الخيول أبداً . تملكتني رحلات فشل غريبة إلى أن بزغ الفجر وراحت الطيور تغرد . فنهضت وارتديت ملابسي , لكنني كنت أفتقر إلى العزيمة للهبوط , إلى أن نادتني بيدي تقول بأنني تأخرت .

كان الفطور سريعاً من دون نكهة . ثم قبلت شقيقتي وبيدي وعانقت جو . ثم تناولت حقيبتي الصغيرة وخرجت .

انطلقت بخطوات سريعة معتبراً أن من السهل الرحيل أكثر مما تصورت . وأخذت أصفِّر لأجعل من الرحيل غير ذي شأن . لكن القرية كانت في في غاية الوداعة والهدوء , وكنت بريئاً وصغيراً للغاية هناك , فيما كان كل شيء مجهولاً وعظيماً حتى أنني انفجرت بالبكاء في تلك اللحظة . حدث ذلك عند عامود الاتجاه في طرف القرية , فوضعت يدي عليه وقلت : " وداعاً يا صديقي العزيز الغالي . "





الفصل الرابع عشر

السيد بوكيت الابن



استغرقت الرحلة من المدينة إلى العاصمة نحو خمس ساعات , وعندما وصلت إلى مكتب السيد جاغرز , أخبرني الكاتب أنه في المحكمة , وأنه ترك خبراً بأن أنتظر في غرفته . فاصطحبني إلى غرفة داخلية . وبعد انتظار طويل , وصل السيد جاغرز .

اندفع نحوه الكثير من الناس , رجالاً ونساءً , كانوا ينتظرونه خارج المكتب . فخاطب اثنين من الرجال وهو يشير إليهما بأصبعه : " ليس لدي ما أقوله لكما الآن. ولا أريد أن أعرف أكثر مما أعرفه . أما بالنسبة للنتيجة , فهي مسألة حظ . لقد أخبرتكما منذ البداية أنها مسألة حظ . هل دفعتما لـ ويميك ؟ "

فقال الاثنان معاً : " أجل , سيدي . "

" حسناً , يمكنكما الذهاب . والآن لن أسمع المزيد ! "

وأشاح لهما بيده لدفعهما خلفه : " إن نطقتما بكلمة سأتخلى عن القضية . "

بدأ أحد الرجلين يقول وهو يخلع قبعته : " اعتقدنا , سيد جاغرز ـ "

فقال جاغرز : " هذا ما طلبت إليكما الامتناع عنه . اعتقدتم ! أنا الذي أعتقد أنكما , هذا يكفي . إن احتجت لكما , فأنا أعرف أني أجدكما . لا أريدكما أن تجداني , والآن لن أسمع المزيد , لن أسمع أية كلمة . "

راح الرجلان ينظران إلى بعضهما البعض فيما أشار السيد جاغرز لهما بالخروج , فخرجا بتواضع دون أن ينطقا بكلمة .

وبعد أن تعامل مع الآخرين بنفس الأسلوب ، اصطحبني أنا وصبي إلى غرفته الخاصة , حيث أخبرني بأنه علي أن أذهب إلى (( نزل برنارد )) إلى جناح السيد بوكيت الابن ، حيث تم إرسال سرير لتأمين راحتي . وكان علي البقاء مع السيد بوكيت الابن حتى نهار الاثنين ،

فأذهب معه نهار الاثنين لزيارة منزل والده ، لأتبين كم سيروقني . قدم لي مخصصي من المال , وبطاقات بعض أصحاب المتاجر الذين سأتعامل معهم للحصول على جميع أنواع الملابس وساءر الأشياء التي قد أحتاجها . وكان على ويميك كاتبه , مرافقتي إلى منزل السيد بوكيت .

ألقيت نظرة على السيد ويميك أثناء سيرنا , فوجدته رجلاً جافاً , قصيراً للغاية , ووجهه مربع جامد . تراءَى لي أن أعزب بثيابه الرثة . وكانت له عينان لامعتان ـ صغيرتان وحادتان , وسوداوين ـ وشفتان رقيقتان واسعتان .

خاطبني قائلاً : " إذن لم تأت إلى لندن أبداً من قبل . "

قلت : " كلا , وهل هي مكان سيء ؟ "

قال : " قد تتعرض للخداع والسرقة والقتل في لندن . إنما هناك الكثير من الناس في كل مكان يتسببون لك بذلك . "

وما لبثنا أن وصلنا إلى نزل برنارد , حيث يقطن السيد هربرت بوكيت . كان مجموعة من المساكن الوضيعة المغمة قسمت شققاً , وكان كثير منها برسم الإيجار.

اصطحبني السيد ويميك فتسلقنا سلماً يؤدي إلى شقة في الطابق الأعلى . وقد كُتب على الباب (( السيد بوكيت الابن )) , وضعت رقعة على صندوق الرسائل تقول : (( عائد بعد قليل )) . تمنى السيد ويميك لي نهاراً سعيداً وغادرني . ولم تمض أكثر من نصف ساعة طويلة حتى سمعت وقع أقدام السيد هربرت على السلم . كان يحمل كيساً من ورق تحت كل إبط وسلة صغيرة من الفاكهة في إحدى يديه , وقد انقطع نفسه . قال : " السيد بيب ؟ "

فقلت السيد : " السيد بوكيت ؟ "

قال مندهشاً : " يا إلهي ! إنني آسف جداً , لكنني علمت أن هناك عربة قادمة من بلدك في منتصف النهار , فاعتبرت أنك ستأتي بها . "

وبعد جهود في معالجة الباب , انفتح أخيراً ودخلنا . فقال السيد بوكيت بعد ذلك : " اعتبر والدي أنك ربما أحببت قضاء نهار الأحد معي أكثر من قضاءه معه , وربما أحببت التجول في أرجاء لندن . إن من دواعي سروري لا ريب أن أطلعك على لندن . إن مسكننا ليس فاخراً بأية حال , إن علي أن أكسب قوتي . هذه هي غرفة نومك ،وقد تم استئجار الأثاث لهذه المناسبة ، لكنني على ثقة بأنه سيفي بالغرض."

حين وقفت أمام السيد بوكيت الابن , أصيب بدهشة وقال وهو يتراجع : " يا إلهي , إنك الفتى الذي تقاتلت معه ! "

فقلت : " وأنت الشاب الهزيل ! "

وقفنا ننظر إلى بعضنا البعض حتى انفجرنا بالضحك . فقال : " تصور كونه أنت !"

فقلت : " تصور كونه أنت ! "

قال هربرت : " لم تكن قد حظيت بثروتك حينذاك ؟ "

قلت : " كلا . "

فوافق معي : " كلا , لقد علمت أن ذلك حدث لاحقاً . أنا شخصياً كنت أفتش عن ثروة جيدة آنذاك . وأرسلت الآنسة هافيشام في طلبي لترى إن كانت ستحبني . لكنها لم تستطع ـ على كل حال , فلم تفعل . ربما لو كنت ناجحاً , لتمت خطبتي على استيلا . "

" وكيف تحملت خيبة أملك ؟ "

فقال : " أفٍ ! لم أكترث كثيراً بذلك . فهي فتاة متقلبة المزاج . إنها قاسية ومتعجرفة ومزاجية حتى آخر الحدود , وقد أنشأتها الآنسة هافيشام لتثأر من جنس الرجال . "

" وما قرابتها بالآنسة هافيشام ؟ "

قال : " ليست بقريبتها بل تبنتها فقط . "

" ولماذا تثأر من جنس الرجال ؟ وأي ثأر ؟ "

فقال : " عجباً يا سيد بيب , ألا تعرف ؟ "

" كلا . "

" يا للعجب ! إنها قصة حقاً , وسأحتفظ بها إلى حين وقت الغداء . "

تميز هربرت بوكيت بأسلوب صريح وبسيط وجذاب للغاية . لم يتسنى لي حتى الآن اللقاء بمن يعبر لي بشكل جازم أكثر منه , في كل نظرة ونبرة صوت , عن عجزه على القيام بما هو سري ودنيء . كان لديه شيء يوحي بالأمل بشكل مدهش , وشيء يهمس لي في الوقت ذاته أنه لن يكون ناجحاً و ثرياً على الإطلاق .

أخبرته بقصتي , وشددت على أنه محظور علي السؤال عن هوية الذي أحسن إلي .

في وقت الغداء , روى لي قصة الآنسة هافيشام فقال : " كانت الآنسة هافيشام طفلة مدللة , وقد توفيت والدتها وهي لا تزال صغيرة , فلم يرد لها والدها أي طلب . كان السيد هافيشام في غاية الثراء وغاية التكبر . وكذلك كانت ابنته , لم تكن طفلته الوحيدة , بل كان لها أخ من والدها . فقد تزوج والدها مرة ثانية ـ من طاهية على ما أعتقد . "

" خلته متكبراً . "

" وكذلك كان . لقد تزوج من زوجته الثانية سراً , وقد توفيت هذه مع مرور الزمن. حينما توفيت , أخبر ابنته بما فعل , وأصبح ولده مذَّاك جزءاً من العائلة يسكن البيت الذي تعرفه . ولما شب الفتى , أصبح فاسقاً ومبذراً ـ فاسداً بالإجمال . في نهاية الأمر حرمه والده من الإرث , ولكنه ما لبث أن لان حين شارف على الموت , فترك له ثروة حسنة , لكن ليس بالقدر الذي تركه للآنسة هافيشام .

وراح يبذر ماله ورزح تحت ديون طائلة . ثم ظهر رجل تظاهر بحب الآنسة هافيشام , وأخذ يلاحقها عن كثب, فأحبته كثيراً . فاستغل عاطفتها وحصل منها على أموال ضخمة. كان أقرباءها فقراء ماكرين , باستثناء والدي الذي كان في فقر شديد لكنه لم يكن حسوداً ومستغلاً للظروف أو حسوداً . كان المستقل الوحيد بينهم , فحذرها من أنها تجاوزت حدودها في سبيل ذالك الرجل ,وأنها تضع نفسها تحت رحمته دون تحفظ. فاغتنمت أول فرصة تسنت لها لطرد والدي بغضب من المنزل , بحضور الرجل , ولم يرها والدي منذ ذلك الحين . لنعد إلى الرجل وننهي قصته . حدد موعد الزفاف, ووجهت الدعوة إلى ضيوف الزفاف . وحل يوم الزفاف , لكن العريس لم يحضر . بل كتب رسالة ـ "

تلقتها حين كانت ترتدي ثياب الزفاف ؟ عند التاسعة إلا ثلثاً ؟ "

قال هربرت : " في تلك الساعة والدقيقة بالذات . " وهو يهز رأسه , " وهو الوقت الذي أوقفت فيه جميع الساعات بعد . ولما شفيت من مرض شديد ألم بها , تركت المكان يستحيل خراباً , مثلما رأيت , ولم تعد تر ضوء النهار منذ ذلك الحين . "

سألت بعد شيء من التفكير : " هل هذه كل القصة ؟ "

" هذا كل ما أعرفه عنها . لكنني نسيت شيئاً . فهناك اعتقاد بأن الرجل الذي منحته ثقة لا يستحقها , كان يعمل طوال الوقت بالاتفاق مع أخيها من أبيها , وأن المؤامرة هي من تدبير الاثنين , وأنهما كانا يتقاسمان الربح . "

فقلت : " أتساءل لماذا لم يتزوجها ويحصل على جميع ممتلكاتها ؟ "

" ربما كان متزوجاً من قبل . "

" وماذا حل بالرجلين ؟ "

" غرقا في مزيد من الذل والعار والخراب ــ إن كان هناك أكثر . "

" وهل هما على قيد الحياة الآن ؟ "

" لست أدري . تعلم الآن كل ما أعرفه عن الآنسة هافيشام . "

سألت هربرت في مجرى الحديث عما يكون . فأخبرني بأنه رأسمالي ــ يعمل في تأمين السفن لكن لم تكن في غرفته إشارة تدل على قضايا الشحن أو رأس المال . قال : " لن أقنع بمجرد استخدام رأسمالي في تأمين السفن . سأشتري حصصاً لا بأس بها في مجال التأمين على الحياة , وسأعمل قليلاً في مجال التعدين . أظن أنني سأتاجر مع جزر الهند الشرقية في الحرائر والشالات والبهارات والأصباغ والحرائر والعقاقير والأخشاب الثمينة . إنها تجارة شيقة . "

قلت : " وهل الأرباح كبيرة ؟ "

قال : " هائلة . " ثم قال وهو يضع إبهامه في جيب صدرته : " أظن أنني سأتاجر أيضاً مع جزر الهند الغربية في السكر والتبغ وسراب الرم , كذلك في سيلان خاصة في مجال أنياب الفيلة . "

" ستحتاج إلى سفن كثيرة . "

" أسطول كامل . "

ولشدة دهشتي حيال ضخامة هذه العمليات , سألته أين تبحر السفن التي يؤمن عليها في الوقت الحاضر , فأجاب : " لم أبدأ بالتأمين بعد . فأنا أنتبه لنفسي , وأعمل في مكتب للمحاسبة . "

" وهل مكتب المحاسبة يوفر ربحاً ؟ "

" آه , كلا , ليس لي . إنه لا يوفر لي شيئاً , وعلي الاستمرار , المهم هو أن تنتبه لنفسك . ذلك هو الشيء الأهم . ثم يحين الوقت فتجد المجال مفتوحاً أمامك . فتدخله وتبني رأسمالك ,وها أنت ! وحين تبني رأس مالك , لن يكون عليك سوى توظيفه ."

كان ذلك أشبه ما يكون بأسلوبه في القتال الذي جرى بيننا في الحديقة , يشبهه كثيراً ــ وطريقته في تحمل الفقر أيضاً جاءت توازي طريقته في تحمل الهزيمة . كان واضحاً أنه لا يملك سوى أبسط الضروريات , إذ كل ما رأيته تبين أنه أرسل على حسابي من المقهى أو من مكان آخر .

ذهبنا مساء ذلك السبت للتنزه في شوارع لندن , وذهبنا إلى المصنع بنصف التعرفة , وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الكنيسة في وستمينستر آبي , وتمشينا مساءً في المنتزهات .

بعد ظهر الاثنين , ذهبنا إلى منزل السيد بوكيت في هامر سميث حيث تم تقديمي إلى السيد والسيدة بوكيت في حديقتهما . واصطحبني السيد بوكيت بعد ذلك إلى المنزل وأراني غرفتي . ثم قرع باب غرفتين مماثلتين ليعرفني إلى من يشغلهما , باسم بنتلي درامل وستارتوب , كان درامل ذا بنية ثقيلة ومظهر عجائزي وكان يصفر , فيما كان ستارتوب , الأصغر سناً ومظهراً , يقرأ ويمسك رأسه وكان يظن نفسه في خطر انفجاره بالمعرفة المفرطة .

بعد يومين أو ثلاث , حين استقر بي الحال في غرفتي وذهبت إلى لندن عدة مرات لطلب ما أحتاجه من أصحاب المتاجر الذين أتعامل معهم , كان لدي مع السيد بوكيت حديث مطول . كان يعرف عن مجرى حياتي المنشود أكثر مما أعرفه بالذات , فقد ذكر أن السيد جاغرز , أخبره بأنني لم أكن مقصوداً لأي مهنة , وأنه ينبغي أن أتعلم ما يكفي لأكون نظير الشاب العادي الذي ينعم بظروف ملائمة . فوافقت بالطبع , دون أن يكون لي علم بما هو عكس ذلك .

نصحني بارتياد بعض الأمكنة في لندن لأحصل على المعرفة التي أحتاج , وأفاد بأنه سيتولى إدارة جميع دروسي , لقد وضع نفسه موضع ثقتي بطريقة رائعة , ويمكنني القول في الحال أنه كان من الحماس دائماً ومن الصدق في تنفيذ اتفاقه معي , ما حملني على الحماس والصدق في تنفيذ اتفاقي معه , ولو أنه أبدى شيئاً من اللامبالاة كأستاذ , فليس لدي شك بأنني كنت فعلت الشيء ذاته كتلميذ .



سويت هذه الأمور وبدأت العمل بجدية , خطر لي بأنني لو استطعت استعادة غرفة نومي في نزل برنارد , لاختلفت حياتي بشكل أفضل , ولن يتسبب سلوكي بالإساءة إلى عشرة هربرت . لم يعارض السيد بوكيت هذا الإجراء , لكنه ألح أنه قبل اتخاذ أي خطوة , ينبغي عرضها على وصيي . وحين أفصحت عن رغبتي هذه للسيد جاغرز , وافق وأوعز إلى ويميك بأن يدفع لي عشرين جنيهاً لشراء الأثاث اللازم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق